صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
335
شرح أصول الكافي
وهو : ان يكون المراد بعرش الرّب في هذه الآية القلب الانساني الّذي هو محلّ معرفة اللّه وحامل علمه وعند الاستكمال يصير عين المعرفة ، والعلم كما رآه الحكماء انّ النفس الانسانية المسماة بالقلب في عرف الشريعة تصير عقلا محضا ونورا صرفا ، فقوله تعالى : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ، اي يحمله من الجانبين ثمانية املاك : أربعة منهم في الطرف الأعلى هي من جملة الأنوار القاهرة القدسية والصور المفارقة الإلهية وهي أرباب الأصنام العنصريّة ، وأربعة أخرى بإزائها من المثل الصورية التي ظلالها صور العناصر الأربعة في الجميع من الطّرفين العلوي والسلفي عند البعث والنّشور ، لانّ السوافل أيضا بالبعث والتجريد تصير عوالي . ثم لكون تلك الاملاك مختلفي « 1 » الحقائق ذواتا وافعالا وأصناما وصورا ، نقل انّها على صور « 2 » مختلفة ، ولكونها مستعلية مستولية على تلك الاجرام العظيمة ، شبهت بالاوعال وسميت بها تشبيها لاجرامها بالجبال ، ولكونها شاملة لتلك الاجرام بالغة إلى افاضتها حيث ما بلغت لازمة لها فاعلة فيها ، قيل : هي ثمانية املاك ، أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤوسهم وهم مطرقون مسبّحون . ولمّا انقسمت الملائكة إلى العلمية والعملية وكل منهم يسبّح بحمد ربه بحسب مقامه وحاله ، فالأربعة العمليّون يحمدونه بالقدرة والعفو الّذي من صفات الفعل ، والأربعة العلميّون يحمدونه بالعلم والحلم الذي من صفات الذات . واعلم أن الملائكة العلمية هي التي سمّاها الاشراقيون الأنوار القاهرة ومرتبتهم أعلى من مرتبة الملائكة العملية وهي التي سموها الأنوار المدبرة ، لان تلك عقلية وهذه نفسانية ، ونسبة العقل إلى النفس نسبة الوالد إلى الولد ونسبة المعلم إلى المتعلم والشيخ إلى المريد ، ومن وجه اخر : نسبة النفس إلى العقل نسبة النقص إلى الكمال ونسبة القوة إلى الفعل والبذر إلى الثمرة والحركة إلى الغاية والمسافر إلى الوطن . فتبين انّ النفوس لا بد ان تصير في انتهاء الأمر عقولا كما أوضحناه في كتبنا ، وبذلك أثبتنا دثور الأفلاك وما فيها من الكواكب وغيرها ، ومن هذا يعلم وجه آخر في قوله صلّى اللّه عليه وآله : فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخرين .
--> ( 1 ) - مختلفة - م - د . ( 2 ) - يقال إنها على صور - م .